ابن كثير
240
البداية والنهاية
بينهم في الأماكن . وخرج المحمل يوم الخميس خامس عشره ولبس الخطيب ابن الجلال خلعة استقرار الخطابة في هذا اليوم ، وركب بها مع القضاة على عادة الخطباء . وفي هذا الشهر نصب المنجنيق الكبير على باب الميدان الأخضر وطول أكتافه ثمانية عشر ذراعا ، وطول سهمه سبعة وعشرون ذراعا ، وخرج الناس للفرجة عليه ، ورمى به في يوم السبت حجرا زنته ستين رطلا ، فبلغ إلى مقابلة القصر من الميدان الكبير ، وذكر معلم المجانيق أنه ليس في حصون الاسلام مثله ، وأنه عمله الحاج محمد الصالحي ليكون بالكرك ، فقدر الله أنه خرج ليحاصر به الكرك ، فالله يحسن العاقبة . وفي أواخره أيضا مسك أربعة أمراء ، وهم أقبغا عبد الواحد الذي كان مباشرا الاستدارية للملك الناصر الكبير ، فصودر في أيام ابنه المنصور ، وأخرج إلى الشام فناب بحمص فسار سيرة غير مرضية ، وذمه الناس وعزل عنها وأعطي تقدمة ألف ( 1 ) بدمشق ، وجعل رأس الميمنة ، فلما كان في هذه الأيام اتهم بممالاة السلطان أحمد بن الناصر الذي بالكرك ، فمسك وحمل إلى القلعة ومعه الأمير سيف الدين بلو ، والأمير سيف الدين سلامش ، وكلهم بطبلخانات فرفعوا إلى القلعة المنصورة ، فالله يحسن العاقبة . وفي هذا الشهر خرج قضاء حمص عن نيابة دمشق بمرسوم سلطاني للقاضي شهاب الدين البارزي ، وذلك بعد مناقشة كثيرة وقعت بينه وبين قاضي القضاة تقي الدين السبكي ، وانتصر له بعض الدولة ، واستخرج له المرسوم المذكور . وفيه أيضا أفرد قضاء القدس الشريف أيضا باسم القاضي شمس الدين بن سالم الذي كان مباشرها مدة طويلة قبل ذلك نيابة ، ثم عزل عنها وبقي مقيما ببلده غزة ، ثم أعيد إليها مستقلا بها في هذا الوقت . وفي هذا الشهر رجع القاضي شهاب الدين بن فضل الله من الديار المصرية ومعه توقيع بالمرتب الذي كان له أولا كل شهر ألف درهم ، وأقام بعمارته التي أنشأها بسفح قاسيون شرقي الصالحية بقرب حمام النحاس . وفي صبيحة مستهل ذي القعدة خرج المنجنيق قاصدا إلى الكرك على الجمال والعجل ، وصحبته الأمير صارم الدين إبراهيم المسبقي ، أمير حاجب ، كان في الدولة السكرية ، وهو المقدم عليه يحوطه ويحفظه ويتولى تسييره بطلبه وأصحابه ، وتجهز الجيش للذهاب إلى الكرك ، وتأهبوا أتم الجهاز ، وبرزت أثقالهم إلى ظاهر البلد وضربت الخيام فالله يحسن العاقبة .
--> ( 1 ) في السلوك 2 / 3 / 626 : بأمرة مئة بدمشق .